ثقافة

غسل وتلقين ودفن الاموات بين الواقع والخيال

أدار الحوار وكتبه المحامي ( حازم رزاق المحمداوي )…

مجموعة أسئلة في حوار مع أفراد من مُغسليّ ومُلقنيّ ودافنيّ الأموات في مقبرة وادي السلام :-
—————————————————
⚫ سؤال لمُغسل أموات في مقبرة النجف الأشرف؟
منذ متى وأنت بهذا العمل؟ وماهي الآلات والأدوات التي تستخدمها عند القيام بالتغسيل؟

ج/ منذ حوالي ١١ سنة وأنا أقوم بهذا العمل، حيث كنت أتعلم ذلك من والدي ( رحمه الله )، كونه أحد مغسليّ الأموات المعروفين في المدينة القديمة، أما بخصوص الآلات والأدوات المستخدمة في عملية التغسيل فهي:-
١- الماء.
٢- الصابون لبعض الحلات.
٣- ورق شجرة السدرة.
٤- مادة الكافور.
وهي تختلف حسب وضعية جسد الميت، وحسب ما موجود على جسمه كالدم مثلا أو بعض الأتربة و غيرها.


ماهو أكثر شيء يؤلمك كمغسل أموات؟وهل حصلت معك حادثه معينة أبكتك خلال التغسيل؟

ج/نعم، أكثر مايؤلمني عند غسل الميت هو إبتعاد أهلهُ وأصدقائهُ وأقربائهُ عن الجثه في أغلب الحالات، ويتحججون دائماً بأن الجثة أصبحت ( نجسه ) ولا يجوز لمسها، وأحياناً أكون لوحدي في المغتسل بالأخص في أوقات ( الشتاء ) وأحتاج أن يكون معي من يُعينني من أهل الميت، ولكني أتفاجأ بردة فعلهم وإستنكافهم من مساعدتي.

-أما بخصوص ( الحادثة ) التي حصلت معي وأجهشتني بالبكاء كلما قمت بتغسيلها، هي لجثة ( شاب ) في زمن أحداث الطائفية، فكان وشماً على صدره متكون من ( صوره لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ع ) وبعض الكتابات، خُلعت تماماً مع الأحشاء من صدره، أما باقي الجسم فلم يصبه شيء، وروى لي أخ هذا الشاب المغدور بأنه كان قاصداً لزيارة الأمام الحسين ( ع ) ليلة الجمعة، وأعترضته مجموعة من ( الارهابيين ) في منطقة ( اللطيفية ) مع صديقة الذي لم يفعل له هؤلاء الأرهابيين أي شي، وكان أخية الشاب الشهيد هو من يسوق السيارة، وبعد أن تشاجر معهم وتمزق قميصه، فبان الوشم الذي على صدره فكان محطاً وهدفاً لسكاكينهم وطائفيتهم.


كيف تعالجون الجثة التي تعرضت لطلق ناري أو أصابة بسكين مثلاً وبقيت تنزف خلال الغسل؟

ج/ مثل هكذا حالات لو أستمر النزف فيها أثناء الغسل أو بعده وهي حالات قليلة جداً فأغلبها يجمد الدم وينتهي النزف، فهنا نلجأ إلى ( القطن ) لتحشية مكان الأصابة به في طريقة مجربه لأيقاف ذلك النزف.


هل تصِلكم جثث صلبة نتيجة بقائها في ثلاجة الموتى مثلاً أو نتيجة دفنها بما يسمى ( الأمانه ) في أرض أخرى وكيف تعاملت مع هكذا موقف؟

ج/ نعم، تحصل حالات كثيرة مثلما ذكرته في سؤالك أعلاه ولكن نففكها أو نففك التصلب الحاصل فيها بالماء الحار دائماً.


منذ متى تعلمت تلقين الأموات؟ ومن الذي علمك؟

ج/ في البداية تعلمت ( تلقين ) الأموات من جدي، حيث كان عمري ٢٠ عام، وكنت أذهب معهُ يومياً إلى المقبرة وأراه كيف يقوم بتلقين الأموات قبل إنزالهم إلى القبر وقبل الدفن أيضاً وماذا يقرأ عليهم.
– وكان جدي ( رحمه الله ) هو من علمني، ولكوني أصبت بصدمات نفسيه كثيره في بداية الموضوع حاول أن يجعلني أستمر كي أتعود ولاأخشى هكذا موضوع، وعند التكرار أصبحت اليوم أُلقن الآلاف من الجثث في مقبرة وادي النجف.


كيف تبدأ بتلقين الميت؟ وهل يُكره وجود أشخاص أثناء التلقين؟

ج/ أبدأ أولاً بقراءة العقائد الحقة للميت عليه، كالتشهد والأقرار بنبوة الحبيب المصطفى ( ص ) وإمامة أهل بيته الأطهار ( عليهم السلام ) وبعض الأدعية المأثورة الواردة، كما أحب أن أذكر الكثير بأنه يُكره حضور الجُنب ( الجنابة ) والحائض عند التلقين.


هل التلقين مفيد برأيك للميت؟

ج/ نعم، أكيداً مفيد، فهي الكلمات الأخيره التي من الممكن أن يستحضرها عندما يسأله ( الملكان ) في القبر، وإلا فأنه لهولهما ينسى الأنسان كل شيء، وقد وردت أحاديث كثيرة حول التلقين وكونه من المحطات الأخيره المهمه للميت.


كيف مارست أول مره عمليه الدفن؟ ومن علمك؟

ج/ كنت في بداية الأمر أعمل حفاراً للقبور فقط، وكان يتصل بي صاحب ( المكتب ) الذي أعمل معه والذي يسمى ( دفان ) فيقول لي هيء لي قبر في المنطقة الفلانية من المقبرة، فأذهب وأقوم بالحفر، إلى أن يأتي لي هو ومعه الجثه ونقوم بعدها بالدفن إلى أن أصبحت الآن ( دفان ) معروف ولي أُناس تتصل بي من باقي المحافظات ولدي مكتبي الخاص بي.
-أما من علمني فأحتفظ به لنفسي لقسوة ما رأيته منه.


كم عدد من الأشخاص دفنت إلى الآن وهل حصل معك موقف باقي إلى ذاكرتك إلى الآن وأن كان طريفاً؟

ج/ منذ عام ١٩٩٤ وأنا أقوم بعملية ( الدفن )، فقد دفنت آلاف الأشخاص، وبجميع أجناسهم.
– أما الموقف الذي حصل معي، ربما هو طريفاً نوعاً ما، ففي أحد المرات أتصلوا بي أُناس من بغداد لغرض دفن جدتهم ( الأمرأه العجوز )، وكنت حينها لم أنام لمدة يومين، وكنت تعب ومجهد جداً، فقلت لهم سأحفر القبر وأنتظركم حتى تصلوا، وفعلاً ذهب الساعة الثالثة فجراً وقمت بالحفر وهيأة القبر لها، وكانت عيوني تلتسق من شدة النعاس، ووصلت لي الجنازة قبل آذان ( الفجر )، وعند أنزالي للجثه في القبر شاهدت ( أفعى ) سوداء تتوسط ( اللحد ) فرميت الجثة وصعدت هارباً وركضت بأتجاه غرفه كنت أستخدمها لضم أغراضي ولم أنتبه لذوي الميته اللذين هربوا جميعاً لركضتي حتى وصلوا الشارع العام .


يقال بأن هنالك أشخاص تم دفنهم وعادوا إلى الحياة مرة أخرى؟ هل هذا صحيح؟

ج/ قضيت عمراً طويلاً في المقبرة والأموات والدفن والحفر وغيرها، فلم أسمع كواقع بأن هنالك ميت عادت له الحياة بعد الدفن، وهو من نسج خيال البعض، فمن نُنزله في حفرة تقدر ب ( متر ونصف تقريباً ) هل تتوقع بأنه ستعود له الروح ويعيش، نعم ممكن ولكن بأذن الله لو شاء.
– فمن يأتي إلى ( المقبرة ) للدفن كجثه لابد أن مر على طبيب لفحصه وأعلن وفاته، أما أن يكون في ( غيبوبه ) مثلا ودفناه فهذا خطأ يتحمله الطبيب وليس نحن.

🌑
بأعتبارك أقرب شخص للميت في مراحله الأخيره؟ هل حصلت معك حاله أدهشتك أو آلمتك مثلاً ؟

ج/ نعم أخي، ففي عام ٢٠٠٤ دفنت جثه ( لبنت شابه ) تقريباً عمرها يقدر ب ١٦ عام، وعندما فكرت أن أقوم ببناء القبر بعد ( خمسة أيام )، ذهبت الساعه ال ( ١ ) ليلاً ومعي أغراضي ومواد البناء، وعند وصولي إلي مكان دفنها سمعت ( أنين ) كان قريباً جداً عليّ ويصدر من التربة التي دفنتها فيها، فشككت بادىء الأمر أن يكون نوعاً من أنواع ( جن المقابر ) ليخيفني مثلاً، كلما أبتعدت زاد، وكلما أقتربت سكت، وعند إكمالي للبناء، ذهبت متعباً إلى البيت ولكن الحزن كان بادي على وجههي وأتسائل ( ماذا فعلت هذهِ الشابة كي يصدر من قبرها هذا الأنين )؟؟؟؟؟؟؟
– حتى أن زوجتي أنتبهت لوضعي فلم أقل لها أي شي؟ وفي رؤياً جائتني بنت لم أرى وجهها وترتدي ملابس سوداء وقالت لي :-
( أذهب إلى أمي وقل لها أن تبرئني ذمتي أني فلانه صاحبة هذا القبر ).

-وفززت مرعوباً من نومي، أتصلت بأخيها وقلت لها ما حصل ومارأيته في الرؤيا فبكى وقال سأجلب لك أمي وسنسافر إليك من بغداد الآن.

– وبالفعل توجهوا إلى داري وكانت الأم ( مُطرقة ) برأسها والدموع لم تتوقف لحظة طوال حديثي مع أبنها وعن سبب تعذب أبنتها فكان الجواب بأنها كانت تتجاوز كثيراً عليها وتشتمها وتضربها، فأخذتها إلى القبر وأبرأتها الذمة ورجعوا إلى أهلهم بنفس اليوم.

اظهر المزيد
إغلاق